ابن أبي الحديد

59

شرح نهج البلاغة

على تكشف الأمور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل . ثم أكثر تعاهد قضائه ، وأفسح له في البذل ما يزيح علته ، وتقل معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك . فانظر في ذلك نظرا بليغا ، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار ، يعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدنيا . * * * الشرح : تمحكه الخصوم : تجعله ما حكا ، أي لجوجا ، محك الرجل ، أي لج ، وماحك زيد عمرا ، أي لاجه . قوله : " ولا يتمادى في الزلة " ، أي إن زل رجع وأناب ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل . قوله " : ولا يحصر من الفئ " هو المعنى الأول بعينه ، والفئ الرجوع ، إلا أن هاهنا زيادة ، وهو أنه لا يحصر ، أي لا يعيا في المنطق ، لان من الناس من إذا زل حصر عن أن يرجع وأصابه كالفهاهة والعي خجلا . قوله : " ولا تشرف نفسه " ، أي لا تشفق . والاشراف الاشفاق والخوف ، وأنشد الليث : ومن مضر الحمراء إسراف أنفس * علينا وحياها علينا تمضرا .